الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

334

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وترفعها إلى السماء بأمر من الله تعالى لتسقط مرة أخرى على مدنهم بعد أن أصابها الزلزال العظيم ، فتطمس معالمها المدمرة ، وتمحو آثار خرائبها من على وجه الأرض ، وتدفن أجسادهم وتنهي كل أثر لهم ، كي يكونوا إلى الأبد عبرة وعظة للآخرين ( 1 ) . والذي يفهم من الآية السابقة أن نجاة آل لوط كان في وقت السحر ، والسبب في ذلك أن الوعد بالانتقام الإلهي من قوم لوط كان وقت الصبح ، لذلك - بأمر من الله - قد نجت هذه العائلة المؤمنة بخروجها من المدينة آخر الليل - باستثناء زوجته التي تنكبت وأعرضت عن دعوته - حيث لم يمض وقت طويل حتى نزل العذاب عليهم زلزالا وعاصفة عاتية تمطرهم بالحصى والحجارة ، كما يتحدث القرآن الكريم عن هذا المشهد المثير في سورة هود ويقول : فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب . ( 2 ) ومن هنا يتضح عدم تناسب أقوال المفسرين الذين اتبعوا أقوال أئمة اللغة وذلك باعتبارهم " السحر " ما بين الطلوعين في الآية أعلاه ( 3 ) . ويضيف البارئ عز وجل بقوله : نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر ( 4 ) . إن لوطا ( عليه السلام ) قد أتم الحجة على قومه قبل أن ينزل البلاء عليهم ، حيث يوضح الله سبحانه هذه الحقيقة فيقول تعالى : ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر . ( بطش ) على وزن ( فرش ) وتعني في الأصل أخذ الشئ بالقوة ، ولأن المجرم لا يؤخذ إلا بالقوة ليلقي جزاءه ، لذلك فإنها تعني المجازاة .

--> 1 - توجد أبحاث أخرى حول هذا الموضوع في الآية ( 82 ) من سورة هود . 2 - هود ، 81 . 3 - يقول الراغب في المفردات : السحر اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار . 4 - نعمة مفعول به لفعل مقدر من نفس جنسه ، أو أنه مفعول له ل‍ ( نجينا ) الذي ورد في الآية السابقة .